Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 يونيو 2026 09:57 م

وين المفتاح؟!

وين المفتاح؟!

 

الإنسان ليس بما يملك... بل بما يحمل من إيمان وتقوى

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يسعى إلى تحسين حياته، وتحصيل الرزق، وتأمين مستقبله ومستقبل أبنائه.

وهذه فطرة فطر الله الناس عليها، فلا عيب في أن يجتهد الإنسان ليعيش حياة كريمة، ولا حرج في أن يطمح إلى المزيد من الخير والرزق والنجاح.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان حقيقة كبرى جاءت بها جميع الرسالات السماوية:

قيمة الإنسان عند الله لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يحمل في قلبه من إيمان وتقوى، وما يقدمه من خير وعمل صالح.


الدنيا دار ابتلاء لا دار تفضيل

لقد ابتلى الله الناس بعضهم بالغنى وبعضهم بالفقر.

وبعضهم بالسعة وبعضهم بالضيق.

وبعضهم بالصحة وبعضهم بالمرض.

وليس الغني مكرماً عند الله لغناه، ولا الفقير مهاناً عند الله لفقره.

بل الجميع في ميدان امتحان واحد، تختلف فيه الأسئلة وتتحد فيه الغاية.

ولو شاء الله سبحانه لأغنى الناس جميعاً، فما نقصت خزائنه يوماً، ولن تنقص إلى قيام الساعة.

ولكن الله الحكيم الخبير يعلم من خلق، ويعلم ما يصلح عباده وما يفسدهم، ولذلك جعل الأرزاق تجري بحكمة عظيمة وتقدير دقيق.


كلمة عظيمة في القرآن: "بِقَدَر"

من أجمل ما يلفت الانتباه في آيات الرزق في القرآن الكريم اقترانها كثيراً بكلمة عظيمة:

بِقَدَر

كلمة صغيرة في حروفها...

عظيمة في معناها.

بقدر يعلم الله أنه أصلح لك.

بقدر يعلم الله أنك تستطيع تحمله.

بقدر لا يطغيك إن زاد.

ولا يكسر ظهرك إن نقص.

بقدر يختبر به شكرك إن أعطاك.

وصبرك إن منعك.

فكم من أمر تمنيناه لأنفسنا وظننا أن فيه سعادتنا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن الله صرفه عنا رحمة بنا.

وكم من أمر ضقنا به ذرعاً وظننّاه شراً، ثم تبين لنا أنه كان باباً من أبواب الخير والنجاة.


قصة سيارة قديمة ودرس لا يُنسى

أتذكر في بداية حياتي أنني لم أكن أملك سيارة أتنقل بها.

وعندما اقترب موعد زواجي اشترى لي والدي – رحمه الله رحمة واسعة – سيارة هيونداي مستعملة من أوائل السيارات التي دخلت المملكة العربية السعودية من هذه الشركة في ذلك الزمن.

كانت سيارة قديمة حتى يوم اشتراها.

لكنها كانت تؤدي الغرض.

تكفيني عن سؤال الناس والحاجة إليهم.

واستمرت معي سنوات طويلة أذهب بها إلى عملي وأقضي بها شؤوني وأحمد الله عليها صباح مساء.


بين السيارات الفارهة والسيارة المتواضعة

كنت أقود سيارتي المتواضعة بين السيارات الأحدث والأجمل والأفخم.

لكنني تعلمت منذ صغري أن أنظر إلى نعم الناس بعين المحبة لا الحسد.

فكنت أدعو لأصحاب تلك السيارات:

اللهم بارك لهم فيما أعطيتهم، واكفهم شر ما رزقتهم، وارزقني من فضلك خيراً مما أتمنى.

ثم أقول لنفسي مازحاً:

الحمد لله أن دخول الجنة لا يعتمد على نوع السيارة التي يركبها الإنسان، وإلا لكنت في مشكلة كبيرة!

ثم أبتسم وأواصل طريقي.


ما الذي أدركته بعد سنوات؟

اليوم وبعد مرور السنوات أدركت أن تلك الخواطر البسيطة كانت تحمل معنى عميقاً.

فكم من إنسان يملك سيارة فارهة وينام مهموماً.

وكم من إنسان يملك قصراً ويعيش قلقاً وخوفاً.

وكم من إنسان يملك الملايين ولا يجد راحة في قلبه.

وفي المقابل...

كم من إنسان محدود الدخل، بسيط الحال، لكنه يملك من الطمأنينة والرضا ما لا تشتريه أموال الدنيا كلها.

لأن السعادة الحقيقية لا تسكن الحسابات البنكية.

بل تسكن القلوب المؤمنة.


أرزاق لا تُشترى بالمال

هناك أرزاق أعظم من المال نفسه.

فالرضا رزق.

والطمأنينة رزق.

والقناعة رزق.

وحسن الظن بالله رزق.

والقرب من الله أعظم رزق.

ولهذا قد يكون إنسان فقيراً في المال، لكنه غني بالله.

وقد يكون آخر غنياً في المال، لكنه فقير إلى السكينة والراحة.


"وين المفتاح؟"

قبل ما يقارب أربعين عاماً ظهر إعلان شهير لسيارات هيونداي.

وكان الإعلامي المعروف إبراهيم الراشد يردد فيه عبارته الشهيرة:

"وين المفتاح؟"

وكان المقصود يومها مفتاح السيارة.

أما اليوم، وبعد رحلة طويلة من العمر والتجارب، فأرى أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نسأله أنفسنا هو:

وين المفتاح؟

أين مفتاح السعادة؟

أين مفتاح الرضا؟

أين مفتاح الطمأنينة؟

أين مفتاح النجاة يوم نقف بين يدي الله، فلا مال ينفع ولا جاه ولا سلطان؟


المفتاح الحقيقي

الجواب واضح لمن تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

المفتاح هو الإيمان.

المفتاح هو الرضا بقضاء الله.

المفتاح هو حسن الظن بالله.

المفتاح هو العمل الصالح.

المفتاح هو أن تدرك أن الدنيا كلها مهما عظمت لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

وأن ركعة خاشعة يقبلها الله منك خير لك من كنوز الأرض كلها.

وأن صدقة خفية قد تفتح لك أبواب رحمة لا تتخيلها.

وأن كلمة طيبة قد يرفعك الله بها درجات.

وأن قلباً سليماً أنقى وأغلى من كل ذهب الدنيا وفضتها.


ما الذي يبقى؟

المال يذهب.

والجاه يزول.

والسلطان ينتهي.

والقوة تضعف.

والصحة تتغير.

أما ما يبقى...

فهو ما قدمته بين يدي الله.

فطوبى لمن عرف حقيقة الدنيا قبل أن تغره زينتها.

وعرف حقيقة نفسه قبل أن يخدعه مديح الناس.

وعرف حقيقة الآخرة قبل أن يدركه الأجل.


دعاء

اللهم أصلح أحوالنا كلها.

واملأ قلوبنا رضا بقضائك.

وبارك لنا فيما رزقتنا.

واجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا.

ولا تجعل أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

وارزقنا من فضلك العظيم ما يغنينا عن سؤال غيرك.

وحرم أجسادنا على النار.

واجعل خير أعمالنا خواتيمها.

وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

آمين يا رب العالمين.

Responsive Counter
General Counter
103596
Daily Counter
186